أخبار
 
بيلوغرافيا
سيرة قلمية
نصوص
اصدارات
شهادات في التجربة
أقواس قزح
دراسات
مقابلات
مقالات
صور
سجل الضيوف
العنوان
مواقع اخرى
صوت
فديو
 
 
الاستبداد الكبير والاستبداد الصغير

عباس بيضون
- بيروت -

علمت ان مجلة <<عيون>>، التي تصدر عن دار الجمل الأثيرة عندي والتي فعلت الكثير للكتاب العربي أعادت نشر مقالة لي بعنوان قضية <<عدنان الصائغ>> ظهرت في <<السفير>> من ست سنوات كاملة غير منقوصة. وأنا بادئ بدء أصرح بأنه لم يستأذني او يستشرني في نشرها أحد، ولو فعلوا لما أذنت ولا قبلت قطعا. أصرح بأن نشرها توريط لي في موقف لا اريده ولا أرتضيه لنفسي. ورغم ان لا إرادة لي في ما فعلوا ولا علم لي به إلا انني لا أمتنع عن الشعور بأنني اتحمل جزءا من تبعته. فهذا هو اسمي وهذا هو خطي يزجان في عملية لا أدري ماهيتها وفحواها. أعلم فقط ان الذي أيقظ <<عيون>> على مقالة ذهب خبرها وأوانها وتراكمت عليها 6 سنوات كاملة ليس سليم الغرض ولا النية. فهذه في الغالب حرب يصليها طرف لآخر ولا أريد ان اكون فيها سلاحا ولا شريكا ولا هدفا. ليس بيني وبين عدنان الصائغ حرب ولا خصومة ولا حزازة، وقد قلت كلمة فيه منذ 6 سنوات رد عليها فنشرت رده وانتهى الأمر عند هذا الحد، ولا أظنه يستحق اكثر من ذلك. بعدها سار الرجل بعائلته الى السويد شأنه شأن كثير من العراقيين وصار في دنيا اخرى وقضية اخرى ولم يبلغني شخصيا انه فعل في غربته ما يريب او يستدعي تجديد الخصومة والموقف.
في المقالات اليومية كثير مما هو يومي ولا يعيش اكثر من يومه، وقد كان عدنان الصايغ موضوع يومي منذ ست سنوات ونحن الآن في يوم آخر. لا استطيع ان اعفي نفسي من تبعة هذا المقال ولو نشر من غير علمي. فهو ينشر في ظرف ووقت لا نأمن ان يغدو بسببهما مؤذيا وشريرا. عشية الحرب على العراق اخشى ان يغدو مقال كهذا دليلا جرميا. وبعد الحرب على العراق اخشى ان يستغل في محاكمات لا يتميز فيها الخيط الابيض من الاسود ولا الحقيقة من الادعاء ولا الموقف من الهوى والحزازة. ولنقل انني شديد الأسف لما حصل وكان اجدى بمن فعلوه ان يفعلوه على حسابهم لا على حسابي، وأن لا يزجوا باسمي في مسألة لا يتحملها ضميري وفي محاكمة لست صاحبها ولا مدعيها وأن لا يطاردوا الصايغ ويلاحقوه بمقالتي.
كان فحوى مقال <<قضية عدنان الصائغ>> كما أفهمه احتجاجا على ادعاء بعض العراقيين الخارجين من العراق مواقف من نظام صدام لم يفعلوها ولا الظرف العراقي المعروف يسمح بها، اي لا أريد من المقال ان يكون تجريما مطلقا لعدنان الصايغ وسواه ممن تربوا في ايديولوجية البعث العراقي، ولم يجدوا أمامهم سوى دولة البعث العراقي ومخابرات البعث العراقي وإدارات البعث العراقي، وما كان في وسعهم ان يقطعوا خيطا إلا بإذنها، او يحلوا كبيرة او صغيرة إلا بأمرها، او ان يصرحوا بشيء إلا برضاها، ناهيك عن الرزق والمعاش والعمل، وكل ذلك لا يتحقق إلا بإرادتها، فإذا وضعنا في حسابنا رعب سوء التأويل والخوف من الحزازات والشبهات والامزجة بدا أننا في وضع جحيمي، ثمن الاعتراض فيه رأس المعترض اذا انتهت القضية برأسه ولم تتجاوزها الى اعضاء أخرى وأشخاص آخرين.
عالم الاستبداد التوتاليتاري هذا ليس وقفا على العراق، وطالما قرأنا اوصافه في شتى التوتاليتاريات، والمهم ان اجتناب أنظمة كهذه متعذر على من يعيشون في ظلها، فهي تتحرش بمن لا يتحرش بها، وفضلا عن الشبهات والظنون، يستحيل تجنب النظام الصدامي كما استحال على مثقفي العهود الستالينية والهتلرية ان يتجنبوا انظمتهم. لذا لا يؤخذ مثقف بريبة التعامل، اي تعامل، ما دام التعامل قائما مفروضا في كل يوم، الصحف والمنابر والمطابع والمؤسسات كلها في يد الحزب الحاكم، فمن يستطيع اجتناب هذه جميعها اذا شاء ان يقرأ ويكتب ويعمل وينشر، لا يستطيع احد اجتناب التعامل ما دام في حدود العمل والنشر والتقية والسعي الى النجاة بالحياة والرأس. اما اذا شطح الأمر الى أبعد من ذلك، الى الاشتراك في الجريمة وإيذاء الناس والمزايدة على النظام ومنحه فوق ما يفرض وأكثر من الحد الأدنى، أما أكثر من هذا فهو جرم لكن الجرم يُتحرى والجرم يحتاج الى تحقيق والتجريم لا يلقى على عواهنه والجرم بمقادير بعضها يغفر وبعضها لا يغفر، والجرم كبائر وصغائر كما قيل، ثم إن سنوات الخروج والمنفى امتحان، فمن صحت توبته فيها ليس كمن لم تصح توبته. اذ لا ينبغي ان ننسى ان دعامة هذه الانظمة هي الخوف، والخوف مكروه لكنه انساني. الناس إذا غلبهم الهلع فقدوا موازينهم. ولعل التوبة تغفر صغائر وهنات. لكن هذا في نهاية الأمر في يد القاضي او من ينوب عنه. اي يجب ان يؤخذ بحرص واحتياط وتثبت وسعة صدر. والأرجح ان لدى كل عراقي من الخارجين بعد حرب الخليج، إلا في النادر، ما يتعلق به على سواه فمن هو الذي لم يسر في تظاهرة او يشترك في مهرجان او لم يخط في مدرسته وربما في مجلته خطا في مديح السيد الرئيس، ومن هو الذي لم يتعرض لتهمة وشك. كل هذا مقزّز بالطبع لكنها انظمة الطغيان تحيل الناس صغارا وأقزاما.
كان من رأي هافل الرئيس التشيكي الأسبق ان يؤخذ الناس في هذه الحال بتسامح ورحابة إلا الذين شطوا في الأذى والفساد ومن اجرموا عن عمد. في غير ذلك لا يعالج الاستبداد بالاستبداد ولا الخوف بالتخويف ولا ذهنية الارتياب والظنة والاشتباه بارتياب وظنة مقابلين. دورة الاستبداد هذه وتناسله أمران ممكنان في مجتمعات قامت على الخوف والكراهية، وأخشى ان حال العراق ليست مختلفة، بل اخشى ان يزيد الشتات وتزيد المنافي في روح الريبة والكراهية فتستحكم بالسلوك كله بارانويا جماعية، ويتحول الخطاب العام الى خطاب ارتياب مقيم، ويغدو السجال تحطيما هستيريا فحسب. في حال كهذه نبقى في دورة الاستبداد وخطابه، وفي حال كهذه يبقى مرتع الاستبداد حاضرا لكل من له القدرة والجبروت.
لا اريد ان اعيد ما خطه الكواكبي رحمه الله، لكني ارجع الى مقالة الصايغ لأذكر ان كثيرين لاموني عليها وكثيرين امتدحوها لكن احداً من الذين لاموا لم يتبرع بتصحيح. واحداً من الذين امتدحوا لم يتبرع بتسنيد. لذا اكتفيت برد الصايغ وهو حقه واعتبرت ان الامر انتهى عند هذا الحد، فأنا لست عراقيا ولا اعرف العراق ولا قدرة لي ان اتحرى المسألة او احقق فيها. أما ناشرو <<عيون>> فعراقيون. قد مضى دهر على المقالة وغسلت يدي منها بالطبع. ومن الغريب ان يحاكموا عدنان الصايغ اذا توخوا العدل حقا وتبيان الحقيقة بمقالة كتبها واحد مثلي بلغه الموضوع سماعا او شفاها ولم يتح له ان يعاينه او يتعينه. من الغريب ان يعتمدوا هم الأعلم مني بالعراق وأهله على مقالة لي. أما الاغرب فهو ان يعودوا إليها بعد 6 سنوات كاملة وكأن امراً لم يختلف منذ ذلك الحين، وأن لا يكونوا خلال هذه السنوات الست قد وصلوا الى معلومات اكثر وأدق، وأن لا يهتموا بما حصل في السنين الست الخوالي ولم يتحروا اذا كان مسلك الصايغ خلالها يثبت ما جاء في المقال او يدحضه. من الغريب ان يبقى مقال كتب من 6 سنوات ولم يتعرض لتحقيق او ترهين او مقابلة بما جرى بعده أساساً صالحاً لمحاكمة وربما تشهير.
ومتى، على ابواب حرب العراق وما قد تجره بعد ذلك من شرور وجنايات. ليس في هذا كله اي احتياط وأي دقة وأي تثبت وأي توخّ للعدل، بل ليس فيه بالطبع اي قضية معلنة سوى حسابات ليس لي فيها يد أو دخل. يعني ذلك أنني ومقالي ذريعة لظنة وارتياب ليسا في الشمس ولا العلن وحسابات ليست في البال ونوايا ليست في الظاهر، اي ان فيها كل درس الاستبداد وأجهزته وأسسه. ومن المحزن ان يكون هذا مآل مقالي المسكين. العفو كل العفو والعذر كل العذر لما جنته يداي عن غير قصد ولما طاش إليه مقالي التعيس المنسي من دون نية ولا غرض.
يبقى ان في إعادة نشر المقالة على هذا النحو، والعراق على ابواب الحرب والكلام جارٍ عما بعد صدام، نبوءة محزنة، بل فيه اشارة بعيدة مضمرة لمستقبل لا يطمئن. إذا كانت محاكمة عدنان الصايغ بمقال من 6 سنوات، لم يجر التحقيق فيه ولا اسناده او نفيه، مثالا للمحاكمات المقبلة، فإن ما ينتظرنا حقا ليس اقل من الحرب. وما ينتظرنا بالطبع ليس اقل من استبداد لا يقل عن سابقه هولاً. لقد أسلم نوري السعيد وإعداماته العراق الى استبداد قاسم وأسلمت جرائم كركوك والموصل الى جرائم صدام حسين مروراً بالطبع باستبداد عبد السلام عارف وجناياته. هكذا خلص العراق من استبداد الى استبداد، ولم تكن هذه جرائم الطغاة فحسب بل حاشياتهم من المنظرين والمثقفين والمناضلين والحشود الجماهيرية. اخشى ان يكون في عمل بلا وازع كتعمد الأذى جريء بلا مسؤولية وبلا تثبت او تحقيق ضد عدنان الصايغ وسواه على تقاليد طالما أنبتت الطغيان وأعادت تأسيسه في دورة جحيمية لم تعرف كيف نخرج منها، وإني لأتساءل يائساً كيف يمكن أن نخرج؟


(*) نشرت في صحيفة "السفير" - بيروت 21/2/2003
 
البحث Google Custom Search